فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ} قال عمرو بن دينار: إن مما أخذ على العقرب ألا تضر أحدًا قال في ليله أو في نهاره: صلّى الله على نوح.
وإن مما أخذ على الكلب ألا يضر من حَمَل عليه إذا قال: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد.
أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقةً، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه؛ على ما قال مقاتل.
واختلف في لونه اختلافًا كثيرًا، ذكره الثعلبيّ.
تحصيله: أيّ لون ذكرت أصبت؛ حتى قيل لون الحجر وقيل لون السماء.
واختلف أيضًا في اسمه؛ فعن عليّ: ريان.
ابن عباس: قطمير.
الأوزاعي: مشير.
عبد الله بن سلام: بسيط.
كعب: صهيا.
وهب: نقيا.
وقيل: قطفير؛ ذكره الثعلبي.
وكان اقتناء الكلب جائزًا في وقتهم، كما هو عندنا اليوم جائز في شرعنا.
وقال ابن عباس: هربوا ليلًا، وكانوا سبعة فمرّوا براع معه كلب فاتبعهم على دينهم.
وقال كعب: مرّوا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد فطردوه مرارًا، فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي، فنطق فقال: لا تخافوا مني! أنا أحبّ أحبّاء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم.
الثانية: ورد في الصحيح عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان» وروي في الصحيح أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط» قال الزهري: وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: يرحم الله أبا هريرة! كان صاحب زرع.
فقد دلّت السنة الثابتة على اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية.
وجعل النقص في أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة؛ إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه، أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته، على ما يراه الشافعي، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه؛ والله أعلم.
وقال في إحدى الروايتين «قيراطان» وفي الأخرى «قيراط».
وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشدّ أذًى من الآخر، كالأسود الذي أمر عليه السلام بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها كما هو منصوص في حديث جابر، أخرجه في الصحيح. وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان» ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلًا أو بمكة ينقص قيراطان وبغيرها قيراط.
وأما المباح اتخاذه فلا ينقص؛ كالفرس والهِرّة.
والله أعلم.
الثالثة: وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السّراق.
وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق.
وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع.
وقد تقدّم في المائدة من أحكام الكلاب ما فيه كفاية، والحمد لله.
الرابعة: قال ابن عطية: وحدّثني أبي رضي الله عنه قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظة سنة تسع وستين وأربعمائة: إن مَن أحبَّ أهل الخير نال من بركتهم؛ كلبٌ أحبّ أهل فضلٍ وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله.
قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين! بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصّرين عن درجات الكمال، المحبين للنبيّ صلى الله عليه وسلم وآله خير آل.
روى الصحيح عن أنس بن مالك قال: «بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدّة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعددتَ لها؟ قال: فكأنّ الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله، ما أعددتُ لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحبّ الله ورسوله. قال: فأنت مع من أحببت» في رواية قال أنس بن مالك: «فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشدّ من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: فأنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم».
قلت: وهذا الذي تمسّك به أنس يشمل من المسلمين كلّ ذي نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين، كلبٌ أحب قومًا فذكره الله معهم! فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام، وحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.
وقالت فرقة: لم يكن كلبًا حقيقة، وإنما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب الغار طليعةً لهم؛...
كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبًا؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان؛ ويقال له: كلب الجبّار.
قال ابن عطية: فسمِّي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع أما إنّ هذا القول يضعفه ذكر بسط الذراعين فإنها في العرف من صفة الكلب حقيقة؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».
وقد حكى أبو عمر المطرّز في كتاب اليواقيت أنه قرئ: {وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد}.
فيحتمل أن يريد بالكالب هذا الرجل على ما روى؛ إذ بسط الذراعين واللصوقُ بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الريبة المستخفي بنفسه. ويحتمل أن يريد بالكالب الكلب. وقرأ جعفر بن محمد الصادقُ {وكالبهم} يعني صاحب الكلب.
قوله تعالى: {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيّ؛ لأنها حكاية حال ولم يقصد الإخبار عن فعل الكلب، والذراع من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، ثم قيل: بسط ذراعيه لطول المدّة، وقيل: نام الكلب، وكان ذلك من الآيات، وقيل: نام مفتوح العين.
والوصيد: الفناء؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير، أي فناء الكهف، والجمع وصائد ووصد.
وقيل: الباب، وقاله ابن عباس أيضًا.
وأنشد:
بأرض فضاءٍ لا يُسَدّ وصِيدُها ** عليّ ومعروفي بها غير منكر

وقد تقدّم.
وقال عطاء: عتبة الباب، والباب الموصد هو المغلق.
وقد أوصدت الباب وآصدته أي أغلقته.
والوصيد: النبات المتقارب الأصول، فهو مشترك، والله أعلم.
قوله تعالى: {لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ} قرأ الجمهور بكسر الواو.
والأعمش ويحيى بن وثّاب بضمها.
{لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} أي لو أشرفت عليهم لهربت منهم.
{وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} أي لما حفهم الله تعالى من الرُّعب واكتنفهم من الهيبة.
وقيل: لوحشة مكانهم؛ وكأنهم آواهم الله إلى هذا المكان الوحش في الظاهر لينفر الناس عنهم.
وقيل: كان الناس محجوبين عنهم بالرعب، لا يجسر أحد منهم على الدنوّ إليهم.
وقيل: الفرار منهم لطول شعورهم وأظفارهم؛ وذكره المهدويّ والنحاس والزجاج والقشيري.
وهذا بعيد؛ لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض: لبثنا يوما أو بعض يوم.
ودلّ هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها؛ إلا أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم.
قال ابن عطية: والصحيح في أمرهم أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب ولم تغيَّر صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عباس وأهل مكة والمدينة {لَمُلِّئْتَ منهم} بتشديد اللام على تضعيف المبالغة؛ أي ملئت ثم ملئت.
وقرأ الباقون: {لملئت} بالتخفيف، والتخفيف أشهر في اللغة.
وقد جاء التثقيل في قول المخبّل السعديّ:
وإذ فَتَكَ النُّعمان بالناس مُحْرِمًا ** فملِّىء من كعب بن عوف سلاسله

وقرأ الجمهور {رُعْبًا} بإسكان العين. وقرأ بضمها أبو جعفر. قال أبو حاتم: هما لغتان.
و{فرارا} نصب على الحال و{رعبًا} مفعول ثان أو تمييز. اهـ.

.قال أبو حيان:

والخطاب في {وتحسبهم} وفي {وترى الشمس} لمن قدر له أنه يطلع عليهم.
قيل: كانوا مفتحة أعينهم وهم نيام فيحسبهم الناظر منتبهين.
قال أبو محمد بن عطية: ويحتمل أن يحسب الرائي ذلك لشدّة الحفظ الذي كان عليهم وقلة التغيير، وذلك أن الغالب على النوام أن يكون لهم استرخاء وهيئات تقتضي النوم، فيحسبه الرائي يقظان وإن كان مسدود العينين، ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في أن يحسب عليهم التيقظ، والظاهر أن قوله: {وتحسبهم أيقاظًا} إخبار مستأنف وليس على تقدير.
وقيل: في الكلام حذف تقديره لو رأيتهم لحسبتهم {أيقاظًا}.
والظاهر أن قوله: {ونقلبهم} خبر مستأنف.
وقيل: إنما وقع الحسبان من جهة تقلبهم، ولاسيما إذا كان من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين وفي قراءة الجمهور: {ونقلبهم} بالنون مزيد اعتناء الله بهم حيث أسند التقليب إليه تعالى، وأنه هو الفاعل ذلك.
وحكى الزمخشري أنه قرئ: {ويقلبهم} بالياء مشدّدًا أي يقلبهم الله.
وقرأ الحسن فيما حكى الأهوازي في الإقناع: {ويقلبهم} بياء مفتوحة ساكنة القاف مخففة اللام.
وقرأ الحسن فيما حكى ابن جنيّ: {وتقلبهم} مصدر تقلب منصوبًا، وقال: هذا نصب بفعل مقدر كأنه قال: وترى أو تشاهد تقلبهم، وعنه أيضًا أنه قرأ كذلك إلاّ أنه ضم الياء فهو مصدر مرتفع بالابتداء قاله أبو حاتم، وذكر هذه القراءة ابن خالويه عن اليماني.
وذكر أن عكرمة قرأ: {وتقلبهم} بالتاء باثنتين من فوق مضارع قلب مخففًا.
قيل: والفائدة في تقليبهم في الجهتين لئلا تُبلي الأرض ثيابهم وتأكل لحومهم، فيعتقدوا أنهم ماتوا وهذا فيه بعد، فإن الله الذي قدر على أن يبقيهم أحياء تلك المدة الطويلة هو قادر على حفظ أجسامهم وثيابهم.
وعن ابن عباس: لو مستهم الشمس لأحرقتهم، ولولا التقليب لأكلتهم الأرض انتهى.
و{ذات} بمعنى صاحبة أي جهة {ذات اليمين}.
ونقل المفسرون الخلاف في أوقات تقليبهم وفي عدد التقليبات، عن ابن عباس، وأبي هريرة، وقتادة، ومجاهد، وابن عياض بأقوال متعارضة متناقضة ضربنا عن نقلها صفحًا وكذلك لم نتعرض لاسم كلبهم ولا لكونه كلب زرع أو غيره، لأن مثل العدد والوصف والتسمية لا يدرك بالعقل وإنما يدرك بالسمع، والسمع لا يكون في مثل هذا إلاّ عن الأنبياء أو الكتب الإلهية، ويستحيل ورود هذا الاختلاف عنها.
والظاهر أن قوله: {وكلبهم} أريد به الحيوان المعروف، وأبعد من ذهب إلى أنه أسد، وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنه رجل طباخ لهم تبعهم، أو أحدهم قعد عند الباب طليعة لهم.
وحكى أبو عمر والزاهد غلام ثعلب أنه قرئ: {وكالئهم} اسم فاعل من كلأ إذا حفظ، فينبغي أن يحمل على أنه الكلب لحفظه للإنسان.
قيل: ويحتمل أن يراد بالكالئ الرجل على ما روي إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الريئة المستخفي بنفسه. وقرأ أبو جعفر الصادق: وكالبهم بالباء بواحدة أي صاحب كلبهم، كما تقول لابن وتامر أي صاحب لبن وتمر.
وقال الزمخشري: {باسط ذراعيه} حكاية حال ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقة معرفة كغلام زيد إلاّ إذا نويت حكاية الحال الماضية انتهى.
وقوله لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي ليس إجماعًا، بل ذهب الكسائي وهشام، ومن أصحابنا أبو جعفر بن مضاء إلى أنه يجوز أن يعمل، وحجج الفريقين مذكورة في علم النحو.
والوصيد قال ابن عباس: الباب.
وعنه أيضًا وعن مجاهد وابن جبير: الفناء.
وعن قتادة: الصعيد والتراب.
وقيل: العتبة.
وعن ابن جبير أيضًا التراب.
والخطاب في {لو اطلعت} لمن هوله في قوله: {وترى الشمس} {وتحسبهم أيقاظًا}.
وقرأ ابن وثاب والأعمش: {لو اطلعت} بضم الواو وصلًا.
وقرأ الجمهور: بكسرها، وقد ذكر ضمها عن شيبة وأبي جعفر ونافع وتملية الرعب لما ألقى الله عليهم من الهيبة والجلال، فمن رام الإطلاع عليهم أدركته تلك الهيبة.
ومعنى {لوليت منهم} أعرضت بوجهك عنهم.
وأوليتهم كشحك، وانتصب {فرارًا} على المصدر إما لفررت محذوفة، وإما {لوليت} لأنه بمعنى لفررت، وإما مفعولًا من أجله.
وانتصب {رعبًا} على أنه مفعول ثان، وأبعد من ذهب إلى أنه تمييز منقول من المفعول كقوله: {وفجرنا الأرض عيونًا} على مذهب من أجاز نقل التمييز من المفعول، لأنك لو سلطت عليه الفعل ما تعدى إليه تعدى المفعول به بخلاف، {وفجرنا الأرض عيونًا} وقيل: سبب الرعب طول شعورهم وأظفارهم وصفرة وجوههم وتغيير أطمارهم.
وقيل: لإظلام المكان وإيحاشه، وليس هذان القولان بشيء لأنهم لو كانوا بتلك الصفة أنكروا أحوالهم ولم يقولوا {لبثنا يومًا أو بعض يوم} ولأن الذي بعث إلى المدينة لم ينكر إلاّ العالم والبناء لا حاله في نفسه، ولأنهم بحالة حسنة بحيث لا يفرق الرائي بينهم وبين الأيقاظ {وهم في فجوة} تتخرقه الرياح والمكان الذي بهذه الصورة لا يكون موحشًا.
وقرأ ابن عباس، والحرميان، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة بتشديد اللام والهمزة.
وقرأ باقي السبعة بتخفيف اللام والهمزة.
وقرأ أبو جعفر وشيبة بتشديد اللام وإبدال الياء من الهمزة.
وقرأ الزهري بتخفيف اللام والإبدال، وتقدم الخلاف في {رعبًا} في آل عمران.
وقرأ هنا بضم العين أبو جعفر وعيسى. اهـ.